تحلّ اليوم، 14 أكتوبر، الذكرى المئة لصدور "الدب فيني بوخ" للكاتب آلان ميلن في لندن، فيما وجد بطله في روسيا حياة ثانية جعلته صديقا لأجيال من الأطفال.
استوحى ميلن حكاياته من ألعاب ابنه كريستوفر روبن ودُماه، وفي مقدمتها دبّ محشو، واستلهم اسم "ويني" (بالروسية "فيني") من دب حقيقي عاش في حديقة حيوان لندن. وابتكر عالما بسيطا ودافئا: دبّ يحب العسل، وخنزير صغير خجول، وحمار كئيب الطباع، ورفاق يعيشون في غابة هادئة تكتسب فيها التفاصيل الصغيرة أهمية كبيرة. وأسهمت رسوم إ. هـ. شيبرد في ترسيخ صورة هذه الشخصيات في أذهان القراء. ولم تبدأ شهرة الدب في روسيا مع بوريس زاخودير وحده، فقد ظهرت مقتطفات روسية من الحكايات في مجلة "ورزيلكا" عام 1939. لكن إعادة السرد التي أصدرها زاخودير عام 1960 هي التي رسّخت الشخصية لدى الجمهور. ولم تكن ترجمة حرفية، بل معالجة أدبية حرة أضفت على الحكايات خفة وروحا روسيتين، وقدّمت أسماء وأغاني وعبارات صارت جزءا من ذاكرة القراء. وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم في الترجمة الأدبية الموجهة للأطفال، فنقل الحكاية لا يقتصر على استبدال الكلمات، بل يقتضي أحيانا إعادة تشكيلها لتقترب من ثقافة القراء الجدد من دون أن تفقد روحها الأصلية. ثم انتقل الدب إلى الشاشة مع فيودور خيتروك، الذي أخرج في استوديو "سويوزمولتفيلم" ثلاثة أفلام قصيرة بين عامي 1969 و1972. ولم يكتفِ بنقل الحكايات إلى الرسوم المتحركة، بل قدّم معالجة خاصة بها. فقد استبعد كريستوفر روبن، الطفل الذي يصل عالم الدمى بالعالم البشري في الأصل، وترك الشخصيات تعيش في عالمها الخاص. ولم يكن قد شاهد أفلام ديزني حين بدأ العمل، فتطورت لديه رؤية بصرية وإيقاع مختلفان جعلا الدب السوفييتي شخصية قائمة بذاتها، لا نسخة من نظيره الأمريكي. وامتدت هذه الخصوصية إلى الأداء الصوتي، فقد منح الممثل يفغيني ليونوف الدب صوته المميز، بعدما عالج فريق الإنتاج انخفاض نبرته بتسريع التسجيلات، بناء على اقتراح مهندس الصوت غيورغي مارتينيوك. وجاء الصوت المرح الذي ارتبط بالشخصية في الذاكرة الروسية. وأسهمت عناصر أخرى في بقاء الأفلام حيّة، منها ألحان قصيرة يسهل تذكرها وترديدها، وفكاهة تجمع بين بساطة المواقف وسخرية خفيفة، فيستمتع الطفل بتصرفات الشخصيات ويجد الكبير متعة إضافية في مفارقاتها. وتعزز الرسوم اليدوية البسيطة والألوان الهادئة والإيقاع المتأني هذا الطابع، فيجد المشاهد وقتا للتأمل والابتسام. أما الحكايات فتدور حول الصداقة والكرم ومشكلات يومية صغيرة تبدو كبيرة في نظر أصحابها، وهي موضوعات انتقلت من جيل إلى آخر داخل البيوت الروسية. ولا تزال مكانة الدب راسخة اليوم، فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري عام 2026 وشمل أكثر من 1500 بالغ أنه جاء ضمن الشخصيات العشر الأكثر شعبية في أعمال الأطفال، إلى جانب تشيبوراشكا والقط ليوبولد والدكتور أيبوليت وكارلسون. ويعكس ذلك ارتباط الجمهور الروسي بشخصيات رافقت أجيالا متعاقبة، وظلت حاضرة في اختيارات الآباء وذكريات طفولتهم. وبعد قرن على صدوره في لندن، لم يعد الدب مجرد بطل حكايات إنجليزية، بل شخصية صاغتها الترجمة والرسوم المتحركة على ذائقة أهلها. المصدر: RT