أثار نشر رواية "دكتور جيفاغو" في الغرب وفوز مؤلفها بوريس باسترناك بنوبل عام 1958 غضب السلطات السوفييتية، التي شنّت حملة ضده.
اشتهر باسترناك شاعرا في المقام الأول، وتعد قصائده الرمزية جزءا من "العصر الفضي" للأدب الروسي، وهي مرحلة ازدهر فيها الشعر وبرز عدد من كبار الشعراء الروس. لم يغادر باسترناك البلاد بعد الثورة البلشفية، خلافا لكثير من الكتّاب وأفراد عائلته. وواصل كتابة الشعر حتى نال اعتراف السلطات السوفييتية، وفي عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته عُدّ من أبرز الشعراء في البلاد، وكان عضوا محترما في اتحاد الكتّاب السوفييت. وحظي باسترناك باهتمام جوزيف ستالين في مرحلة من المراحل. فقد حاول التدخل لدى الزعيم السوفييتي لمصلحة الشاعر أوسيب ماندلشتام بعد اعتقاله، في واقعة كشفت عن موقعه المعقد داخل الأوساط الأدبية السوفييتية. لكن مكانته لم تحمه من التحولات التي شهدتها السياسة الثقافية في البلاد. فمع اشتداد قبضة ستالين، ولا سيما منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، تزايد الضغط على الأدباء لكتابة أعمال وطنية تنسجم مع التوجهات الرسمية، بدلا من الشعر الفلسفي الذي عُدّ بعيدا عن الواقع السوفييتي. وتراجع نشر أعمال باسترناك الأصلية، فاتجه بصورة متزايدة إلى الترجمة والنثر. وبعد سنوات من العمل، أنجز باسترناك روايته "دكتور جيفاغو" عام 1955. وتتناول الرواية الحرب الأهلية التي اندلعت في روسيا بعد الثورة، لكنها تتجاوز الأحداث التاريخية إلى أسئلة الإنسان عن الحب والموت ومعنى الحياة. كما تقدم صورة نقدية للثورة وما رافقها من عنف واضطرابات، وتكشف كيف انعكست التحولات السياسية على حياة الأفراد. ولم تنسجم الرواية مع الرواية الرسمية السوفييتية عن الثورة، إذ لم تقدم البلاشفة في صورة إيجابية، بل أظهرت ما ارتبط بمرحلتهم من قمع وعنف وتدمير لحياة كثيرين. لذلك رفضت السلطات نشرها، وأصبحت موضع عداء في الأوساط الرسمية والإعلامية.
بعد رفض نشر الرواية في الاتحاد السوفييتي، تمكن باسترناك من إيصالها إلى الغرب، فصدرت باللغة الإيطالية في إيطاليا عام 1957 بجهود الناشر جانيانجلو فيلترينيلي.
ولم يقتصر الاهتمام بالرواية على الأوساط الأدبية؛ فقد دخلت أيضا في حسابات الحرب الباردة. وكشفت وثائق رفعت عنها السرية لاحقا عن دور لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في إصدار نسخة روسية سرية من الرواية وتوزيعها، بهدف استثمارها في الدعاية المناهضة للاتحاد السوفييتي.
وفي عام 1958، أعلنت الأكاديمية السويدية فوز باسترناك بجائزة نوبل للآداب، تقديرا لإسهامه في الشعر الروسي المعاصر وفي تقاليد الرواية الروسية الكبرى. لكن السلطات السوفييتية رأت في القرار خطوة سياسية تستهدف البلاد، فتحول التكريم الأدبي إلى أزمة سياسية وثقافية.
وبدأت حملة واسعة ضد الكاتب، اتُّهم خلالها بالخيانة، وفُصل من اتحاد الكتّاب السوفييت، وهو إجراء كان يهدد قدرته على نشر أعماله داخل البلاد. وشاركت وسائل الإعلام الرسمية وكتّاب موالون للسلطة في إدانته، وقدمت الرواية على أنها إساءة إلى الثورة والسلطة السوفييتية.
والمفارقة أن الرواية لم تكن متاحة للقراء السوفييت بصورة قانونية، إذ لم تكن قد نُشرت داخل البلاد. ومع ذلك، تصاعدت الإدانة العلنية لها ولصاحبها، وأصبحت العبارات التي تعبر عن الحكم على كتاب من دون قراءته رمزا لتلك الحملة، ومنها العبارة الشهيرة: "لم أقرأ باسترناك، لكنني أدينه".
ونُظمت اجتماعات لإدانة الكاتب في المؤسسات الحزبية والمصانع والمعاهد، وذهب بعض المشاركين إلى المطالبة بسحب الجنسية السوفييتية منه. وتحت ضغط السلطات والحملة الإعلامية، اضطر باسترناك إلى رفض جائزة نوبل، رغم أنه كان قد قبلها في البداية.
لم تكن الحملة مجرد خلاف أدبي، بل كانت ضربة قاسية لمكانة باسترناك المهنية والاجتماعية. فقد وجد نفسه معزولا عن المؤسسات الثقافية الرسمية، ومهددا بفقدان القدرة على نشر أعماله في بلاده، في وقت كانت فيه الرواية التي أثارت كل هذا الجدل لا تزال ممنوعة من التداول القانوني هناك.
وتوفي باسترناك بسرطان الرئة عام 1960، عن عمر ناهز السبعين عاما، بعدما عاش السنوات الأخيرة من حياته تحت ضغوط سياسية ومهنية شديدة.
أما رواية "دكتور جيفاغو"، فلم تُنشر رسميا داخل الاتحاد السوفييتي إلا عام 1988، في مرحلة الإصلاحات والانفتاح التي شهدتها البلاد في عهد ميخائيل غورباتشوف.
وهكذا، استغرق الأمر أكثر من ثلاثة عقود حتى يتمكن القراء السوفييت من الاطلاع رسميا على الرواية التي أدانتها مؤسسات بلادهم، في واحدة من أبرز الوقائع التي كشفت الصراع بين الأدب والسلطة خلال الحقبة السوفييتية.
المصدر: Gateway to Russia