نُقل جثمان فلاديمير لينين سرا من موسكو إلى مدينة تيومين السيبيرية عام 1941، خوفا من الغارات الألمانية، وظل بعيدا عن ضريحه قرابة 4 سنوات، فيما استمرت مراسم حراسة الشرف في العاصمة.
قرار الإجلاء مع اندلاع الحرب الوطنية العظمى (1941-1945)، واجه الاتحاد السوفيتي تقدما ألمانيا سريعا على جبهات القتال، وسط مخاوف من وصول القصف الجوي إلى موسكو. وفي ظل هذه الظروف، لم تقتصر إجراءات الإجلاء على السكان والمنشآت الصناعية والمقتنيات الثقافية، بل شملت أيضا جثمان فلاديمير لينين، مؤسس الدولة السوفيتية. فقد خلصت تقديرات لجنة مختصة إلى أن الضريح المقام في الساحة الحمراء لن يصمد أمام قصف جوي، وأن إصابته قد تؤدي إلى تدميره وما يحتويه. وعلى إثر ذلك، تقرر نقل الجثمان إلى مكان آمن بعيدا عن الجبهة. وفي الثالث من يوليو 1941، صدر أمر سري بنقله إلى مدينة تيومين في غرب سيبيريا. ولم يكن الجثمان وحده ضمن الشحنة؛ إذ شملت أيضا قلب لينين، ومستحضرات محفوظة من أنسجة دماغه، والرصاصة التي استُخرجت من جسده بعد محاولة اغتياله عام 1918، فضلا عن سجلات عمليات التحنيط اللازمة لمواصلة الحفاظ عليه. قطار بمهمة استثنائية لم تكن عملية النقل رحلة عادية. فقد جُهز قطار خاص لنقل الجثمان، مع اتخاذ تدابير للحد من الاهتزازات وضمان ظروف الحرارة المناسبة للحفاظ عليه. وتولى البروفيسور بوريس زبارسكي، المشرف على أعمال التحنيط، مسؤولية صيانته خلال الرحلة وبعد الوصول، بمساعدة فريق من المتخصصين. أما الحماية الأمنية، فكانت مهمة جهاز أمن الدولة السوفيتي وحرس الكرملين، الذين أشرفوا على تأمين القطار ومحطات توقفه. وخضع مسار الرحلة لتخطيط دقيق، إذ اختير طريق التفافي عبر ياروسلافل بدلا من سلوك المسار المباشر شرقا، لتقليل احتمالات لفت الأنظار إلى العملية السرية. وفي السابع من يوليو، وصل القطار إلى تيومين. ولم تكن السلطات المحلية قد أُبلغت مسبقا بطبيعة الشحنة التي تنتظر وصولها، ولم تعرف حقيقة المهمة إلا بعد وصول القطار. إقامة سرية وحراسة مشددة استقر الجثمان في مبنى كان مخصصا لمؤسسة تعليمية زراعية في تيومين، بعد تهيئة المكان لاستقبال فريق المتخصصين ومعداتهم. وأُحيط المبنى بإجراءات أمنية مشددة، فيما تولى حراس من موسكو حماية المكان من الداخل، وأشرف الجهاز الأمني المحلي على محيطه الخارجي. وكان الحفاظ على الجثمان يتطلب متابعة مستمرة، لا مجرد توفير الحراسة. فقد واصل فريق زبارسكي مراقبة حالته والعناية به، فيما ظلت المهمة محاطة بسرية صارمة، نظرا إلى الرمزية السياسية الكبيرة التي كان يمثلها لينين في الدولة السوفيتية. وفي الوقت نفسه، استمرت مراسم حراسة الشرف أمام الضريح في الساحة الحمراء بموسكو، كما لو أن الجثمان لا يزال في مكانه. وكان الهدف إبقاء عملية الإجلاء طي الكتمان، ومنع انتشار معلومات عن خلو الضريح. عودة بعد نحو أربع سنوات ظل جثمان لينين في تيومين ثلاث سنوات وتسعة أشهر تقريبا. ومع اقتراب نهاية الحرب، بدأت الاستعدادات لإعادته إلى موسكو، بعد أن تراجعت المخاطر التي استدعت نقله. وفي مارس 1945، اتُخذ القرار بإعادة الجثمان، لكن العملية لم تُنفذ على عجل؛ إذ تطلبت الاستعدادات تجهيز وسائل النقل وترتيب الإجراءات اللازمة لضمان سلامته. وفي السادس والعشرين من مارس، عاد الجثمان إلى موسكو، ليُعاد إلى ضريحه في الساحة الحمراء، حيث بقي منذ ذلك الحين. وهكذا، شهدت سنوات الحرب استثناء نادرا في تاريخ الضريح: غادر جثمان لينين موسكو في عملية سرية، وعاش بعيدا عن العاصمة طوال معظم سنوات الحرب، بينما استمرت مراسم الحراسة في مكانه للحفاظ على سرية المهمة. المصدر: RBTH