أعاد الجزء الثاني من "الأنفس الميتة" سؤالا قديما: ماذا لو أمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنح حياة جديدة لنصوص أدبية تركها أصحابها ناقصة؟
لا يتعلق الأمر باستعادة ما كتبه الأدباء فعلا، فالنص الذي تنتجه الشبكات العصبية يظل عملا معاصرا يستند إلى مواد تركها المؤلف، وليس نسخة مخفية من العمل الأصلي. لكن التجربة تفتح بابا للتفكير في مشاريع أدبية أخرى ظلت معلقة، بعضها لا يتجاوز بضع صفحات، وبعضها تحول مساره إلى أعمال شهيرة مختلفة.
ومن بين أبرز الأمثلة ألكسندر بوشكين وليو تولستوي وفينيديكت إيروفيف.
ترك ألكسندر بوشكين مشروعا روائيا عن جده الأكبر إبراهيم حنبعل، الذي وصل إلى روسيا من إفريقيا وأصبح من المقربين من بطرس الأكبر. بدأ بوشكين العمل على الرواية عام 1827، وكتب ستة فصول، قبل أن يتوقف عن المشروع.
تتناول الصفحات التي تركها حياة إبراهيم في روسيا وعلاقته ببطرس الأكبر، إلى جانب خط عاطفي كان يمكن أن يتطور مع تقدم الأحداث. وتشير المادة الأصلية إلى أن بوشكين ابتعد عن الرواية التاريخية التي كانت رائجة في ذلك الوقت، واتجه بدلا منها إلى معالجة التاريخ في أعمال أخرى، بينها قصيدة "بولتافا".
لكن المسودة الموجودة تظل من أكثر مشاريع بوشكين النثرية إثارة للاهتمام، لأنها تقدم شخصيات وأحداثا لم تصل إلى نهايتها. ويمكن للتقنيات الحديثة أن تبني عليها تصورا أدبيا محتملا، من دون أن يعني ذلك معرفة النهاية التي كان بوشكين سيختارها فعلا.
ومن مشروعات بوشكين غير المكتملة أيضا نص يعرف باسم "مشاهد من الحياة الرومانية". كتب الشاعر بضع صفحات فقط، مستلهما أجواء العالم الروماني القديم، قبل أن يتوقف عن العمل عليه.
كان بوشكين يتخيل المآدب والحوارات في روما القديمة، وتظهر في النص شخصية بترونيوس، الكاتب الروماني المعروف. وتكشف الصفحات القليلة المتبقية عن نثر مكثف يذكّر بأسلوبه في "ملكة البستوني" و"ابنة القبطان".
وتمنح الفكرة مساحة واسعة للتخيل، خصوصا أن بوشكين كان يفكر في إدخال أخبار عن نبي جديد في يهودا إلى عالم الشخصيات الرومانية. لكن هذا المسار بقي ضمن تصور المشروع ولم يتحول إلى رواية مكتملة، ولذلك فإن أي نص جديد مبني عليه سيكون قراءة حديثة للفكرة، لا عملا ضائعا لبوشكين.
بدأ ليو تولستوي مشروعا روائيا مختلفا قاد في نهاية المطاف إلى "الحرب والسلام". كانت الفكرة الأولى تدور حول رجل من الديسمبريين يعود إلى روسيا الأوروبية بعد عقود قضاها في المنفى السيبيري، برفقة زوجته.
لكن تولستوي أدرك أثناء الكتابة أن فهم الرجل وشخصيته يتطلب العودة إلى الأحداث التي سبقت نفيه، ولا سيما انتفاضة الديسمبريين في 14 ديسمبر 1825. ومن هناك اتسع نطاق المشروع ليشمل الحروب النابليونية، قبل أن يتخذ شكله النهائي المعروف في "الحرب والسلام".
وكان تولستوي قد كتب فصولا أولى عن الزوجين، وهما الشخصيتان اللتان ستتغيران لاحقا في مسار المشروع. وتتيح هذه الصفحات قراءة الطريق الذي قاد الكاتب إلى روايته الكبرى، لكنها لا تقدم رواية مستقلة يمكن معرفة نهايتها.
ومن هنا يمكن تخيل تجربة أدبية تعتمد على تلك المواد، وتطرح السؤال: كيف كان يمكن أن تبدو رواية تولستوي عن الديسمبري لو بقي المشروع على مساره الأول؟
تبدو حالة فينيديكت إيروفيف أكثر غموضا. فقد ارتبط اسمه بمشروع يحمل عنوان "شوستاكوفيتش"، وتروي رواية متداولة أن الكاتب كتب الرواية ثم تخلى عنها وهو ثمل في قطار عام 1972.
غير أن وجود رواية مكتملة أو تحديد حجم النص الذي كتبه إيروفيف أمر يصعب الجزم به. ونشر لاحقا نص قدم بوصفه بداية للرواية، مع تنويه يترك الباب مفتوحا أمام الشك في طبيعة المشروع ومدى اكتماله.
وكان إيروفيف نفسه معروفا بخلط الواقع بالأسطورة، ما يجعل التعامل مع هذه القصة أكثر تعقيدا. ومع ذلك، فإن شخصية دميتري شوستاكوفيتش، الموسيقي الذي عاش تحت ضغط عصره وتحولاته، كانت مادة جذابة لمخيلة إيروفيف.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعامل مع الشذرات والمعلومات المتاحة بوصفها مادة لبناء عمل تخيلي، لكن النتيجة ستبقى عملا جديدا مستلهما من إيروفيف، لا نصا مفقودا له.
تكشف هذه الحالات فروقا مهمة بين أنواع النصوص التي لم تكتمل: هناك مخطوطات تحتوي على فصول وشخصيات، ومشروعات لم تتجاوز صفحات قليلة، وأعمال لا نعرف حتى على وجه اليقين مقدار ما كتب منها.
وقد تساعد النماذج اللغوية في تحليل هذه المواد، واقتراح مسارات سردية محتملة، ومحاكاة بعض السمات الأسلوبية للمؤلف. لكن كل نتيجة ستبقى مرتبطة بالاختيارات التي اتخذها النموذج، لا بالاختيارات التي كان سيتخذها الكاتب.
وهنا يصبح السؤال الأهم أبعد من قدرة التقنية نفسها: إذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يكتب ما كان يمكن أن يكتبه بوشكين أو تولستوي أو إيروفيف، فهل نكون قد استعدنا عملا أدبيا ضائعا، أم صنعنا عملا جديدا يرتدي اسم مؤلف لم يعد موجودا ليقول كلمته الأخيرة؟
المصدر: روسيسكايا غازيتا