IMG-LOGO
عاجل الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات

استعادة القدس وبداية الحملة الثالثة

استعادة القدس وبداية الحملة الثالثة

بعد حصار قصير، استعاد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وكان يومها يحكم مصر والشام، مدينة القدس في الثاني من أكتوبر عام 1187، منهيا بذلك ما يقرب من تسعة عقود من الحكم الصليبي.

لم تكن هذه الاستعادة حدثا مفاجئا أو منعزلا، بل جاءت تتويجا لسلسلة من الانتصارات التي حققها صلاح الدين، وترجمت تحولا عميقًا في موازين القوى في المنطقة. معركة حطين وخلفيات الانتصار: كان سقوط القدس نتيجة مباشرة للهزيمة الساحقة التي مُني بها الصليبيون في معركة حطين في الرابع من يوليو عام 1187. في تلك المعركة المصيرية، دُمّر معظم جيش مملكة القدس، ووقع في الأسر الملك غي دي لوزينيان، إلى جانب عدد من البارونات البارزين وقادة الرهبانيات العسكرية للفرسان. مهّد ذلك الطريق أمام صلاح الدين كي يستولي بصورة منهجية على المعاقل الرئيسة للمملكة، وهي: عكا، ونابلس، ويافا، وصيدا، وبيروت، وعسقلان. مدينة محاصرة ومقاومة متآكلة: وصل جيش صلاح الدين إلى مشارف القدس في العشرين من سبتمبر عام 1187، وكانت المدينة تدافع عنها حامية صغيرة قُدّرت بنحو ألف وأربعمائة جندي نظامي. بدأ الحصار في اليوم نفسه. تولى قيادة الدفاع عن المدينة الفارس باليان الثاني، وهو أحد الناجين القلائل من معركة حطين. كانت الحامية العسكرية صغيرة، في حين كانت المدينة مكتظة باللاجئين، وهو ما أدى إلى استنزاف حاد في المؤن الغذائية وتردي الأوضاع المعيشية. شنّ صلاح الدين هجوما منظما على المدينة. في البداية، نصب معسكره في الجهة الغربية، لكن هجماته قوبلت بالصد. ثم نقل قواته الرئيسة إلى الجهة الشمالية، حيث لم تكن هناك بوابات مناسبة لشن هجمات مضادة، ما منح المهاجمين أفضلية واضحة. استخدم صلاح الدين آلات الحصار، بما في ذلك المنجنيقات بأنواعها المختلفة والأقواس الثقيلة. في التاسع والعشرين من سبتمبر، نجحت قوات صلاح الدين في تقويض جزء من السور والتسبب في انهياره. مع ذلك، حاول المدافعون منع المسلمين من دخول المدينة عبر الثغرة، وسعوا إلى إغلاق الفجوة في الأسوار. لكن الروح المعنوية للصليبيين كانت في أسوأ أحوالها، بعد طول الحصار وتفاقم الجوع واليأس. المفاوضات وشروط الاستسلام: أدرك قائد الحامية الصليبية عبثية مواصلة الدفاع، فدخل في مفاوضات مع صلاح الدين. وافق صلاح الدين، رغبة منه في تجنب مذبحة مماثلة لتلك التي ارتكبها الصليبيون عام 1099، على قبول استسلام مشرّف. مُنح الصليبيون مهلة أربعين يوما لتدبير المال اللازم لشراء حريتهم، وحُدّدت قيمة الفدية بعشرة دنانير للرجل، وخمسة دنانير للمرأة، ودينار واحد للطفل. كما سُمح لمن دفعوا الفدية بمغادرة المدينة ومعهم ممتلكاتهم المنقولة. سلمت كنيسة القيامة وقتها من التدمير، كما سُمح للحجاج المسيحيين بزيارة المدينة لاحقا. وأبدى صلاح الدين قدرا كبيرا من التسامح، فسمح للمسيحيين بحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة الرئيسة، بما في ذلك كنيسة القيامة، بل سمح أيضا برحلات الحج المسيحية. بعد استعادة المسلمين للقدس، طهّروا بعض الأماكن المقدسة، ومنها المسجد الأقصى، بماء الورد. أصداء السقوط في أوروبا: في المقابل، أثار سقوط القدس موجة من الغضب في أنحاء أوروبا، وشكّل المحرك المباشر لانطلاق الحملة الصليبية الثالثة بين عامي 1189 و1192. كانت النتيجة المهمة أن استعادة صلاح الدين القدس عام 1187 وجّهت ضربة قاضية لمملكة القدس، فقد توقفت عمليا عن الوجود كدولة ذات كيان وظيفي متكامل، رغم أنها استمرت اسميا لعدة عقود تالية. كان جيش مملكة القدس الصليبية قد تحطّم حتى قبل سقوط القدس، وبدأت المعاقل الرئيسة تسقط الواحدة تلو الأخرى: عكا، ونابلس، ويافا، وصيدا، وبيروت، وعسقلان، وغيرها. بعد الثاني من أكتوبر عام 1187، لم يتبقَّ تحت سيطرة الصليبيين سوى مواقع ساحلية محصنة ومعزولة، أبرزها صور. هكذا تقلّصت مملكة القدس الصليبية لتصبح شريطا ساحليا ضيقا، بينما انتقلت المناطق الداخلية، الزراعية والاستراتيجية، إلى سيطرة صلاح الدين. الحملة الصليبية الثالثة والانحسار التدريجي: أحدث سقوط القدس صدمة واسعة في أوروبا، وشكّل المحرك الرئيس لرد فعل ضخم؛ إذ شارك في الحملة الصليبية الثالثة ملكا إنجلترا وفرنسا، ريتشارد الأول الملقب بـ"قلب الأسد" وفيليب الثاني، إلى جانب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة فريدريك الأول الملقب بـ"اللحية الحمراء". على الرغم من النجاحات التي حققها الصليبيون في المنطقة الساحلية، مثل الاستيلاء على عكا، إلا أنهم عجزوا عن استعادة القدس. ظلت مملكتهم كيانا مضمحلا يعتمد على الدعم البحري والتعزيزات القادمة من أوروبا. تواصل تآكل المملكة تدريجيا، حتى أفضى ذلك في النهاية إلى السقوط النهائي لمدينة عكا عام 1291. حدث مفصلي في تاريخ الصراع على القدس: لم تكن استعادة صلاح الدين للقدس في الثاني من أكتوبر عام 1187 صدفة، بل كانت عملا ضخمًا جرى التخطيط له وتنفيذه بدقة متناهية. كان هذا الحدث نتيجة مباشرة لمعركة حطين، وتميز بحصار سريع وشروط استسلام مشرّفة تناقضت تماما مع ما شهدته عملية الغزو الصليبي للمدينة عام 1099. ظلت هذه الاستعادة محطة مركزية في تاريخ الصراع على القدس، لأنها لم تغيّر موازين القوى في المنطقة فحسب، بل تركت أثرا عميقا في الذاكرة الإسلامية والمسيحية والأوروبية على حد سواء. بقيت نموذجا على أن الانتصار العسكري يمكن أن يقترن بالحكمة السياسية والتسامح، وأن المدن المقدسة لا تُحكم بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى رؤية نبيلة تحفظ أمنها ومكانتها الروحية والتاريخية. المصدر: RT

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار