تتصدر القاهرة والشارقة مشهد معارض الكتاب العربية بملايين الزوار، لكن التحدي يبقى في تحويل هذا الحضور المؤقت إلى علاقة دائمة بالكتاب: هل تصنع المعارض قارئا جديدا؟
تقدم أرقام معرضي القاهرة والشارقة صورة لافتة عن حجم الحضور الجماهيري لصناعة الكتاب في الوطن العربي، فقد سجلت الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع 2026 نحو 6,200,849 زائرا، بمشاركة 1457 دار نشر من 83 دولة بإجمالي 6637 عارضا. وفي الشارقة استقبلت الدورة الـ44 من المعرض الدولي للكتاب نحو 1.4 مليون زائر من 206 جنسيات، بمشاركة أكثر من 2350 ناشرا وعارضًا من 118 دولة. لكن ضخامة الأرقام لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: ماذا يحدث لهذه العلاقة بعد انتهاء المعرض؟ فالملايين الذين يدخلون بوابات المعارض خلال أيام محددة من العام يمثلون جمهورًا مهمًا، لكن نجاح صناعة القراءة يقاس أيضا بقدرتها على إبقاء الكتاب حاضرًا في حياة هؤلاء القراء بعد مغادرة المعرض. الشارقة.. حين يتحول المعرض إلى منصة لصناعة الكتاب تقدم "الشارقة" نموذجا لتوسيع وظيفة المعرض إلى ما هو أبعد من بيع الكتب، حيث قال أحمد بن ركاض العامري الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب، إن الدورة الـ44 قدمت "تجربة ركزت على القارئ بوصفه المحور الأساسي للمعرفة"، فيما حملت شعار "بينك وبين الكتاب". ولا تتوقف التجربة عند القارئ، ففي دورة 2025 جمع مؤتمر الناشرين 1599 ناشرا من 116 دولة، وعقد 3321 اجتماعا مخصصا لتبادل حقوق النشر، بما يوضح امتداد نشاط المعرض إلى الجوانب المهنية لصناعة الكتاب. كما تكشف بيانات الشارقة عن تركيبة الجمهور إذ بلغت نسبة الزوار بين 35 و44 عاما 29%، وبين 25 و34 عاما 28%، فيما بلغت نسبة الشباب من 18 إلى 24 عاما 15%، وهي أرقام تتيح قراءة أعمق للجمهور، بعيدا عن مجرد قياس عدد الزوار. القاهرة.. ملايين الزوار واختبار القارئ الجديد وفي القاهرة يبدو التحدي مختلفا بحكم الحجم الهائل للجمهور، فقد استقطب المعرض أكثر من 6.2 مليون زائر خلال دورته الممتدة من 21 يناير إلى 3 فبراير 2026، إلى جانب نحو 400 فعالية ثقافية و100 حفل توقيع و120 فعالية فنية. لكن تحويل هذا الحضور إلى عادة قراءة مستمرة يظل مهمة تتجاوز أيام المعرض، وهنا تبرز قضية الأجيال الجديدة، إذ شدد أحمد بدير مدير عام دار الشروق ونائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين السابق، في تصريحات سابقة له على ضرورة البدء بالأطفال الذين سيصبحون شبابا في المستقبل، مشيرا إلى أن العلاقة بالقراءة يجب أن تبنى مبكرا، وأن شكل الكتاب المدرسي ومضمونه يمكن أن يؤثرا في علاقة الطفل بالكتاب والثقافة. ولا يعد معرض الكتاب مسؤولا وحده عن صناعة القارئ، فالمهمة تتقاطع فيها المدرسة والأسرة والمكتبة والناشر والمؤسسات الثقافية، إلى جانب المنصات الرقمية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من رحلة القارئ إلى الكتاب. من المعرض إلى ما بعد المعرض.. أين تبدأ صناعة القراءة؟ تظهر مشكلة أخرى في نقص البيانات التي تسمح بقياس الأثر الحقيقي لهذه المعارض، وقال محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، في حديث سابق له، إن صناعة النشر العربية ما زالت تفتقر إلى قاعدة بيانات متكاملة، مشيرا إلى أن الاتحاد يعمل على تأسيس مشروع يوفر بيانات عن النشر والتوزيع والطباعة ومعارض الكتب وغيرها من عناصر القطاع. ووفقا لحال المعارض العربية فإن عدد الزوار يخبر بحجم الإقبال، والمبيعات تقيس النشاط التجاري، لكنهما لا يجيبان وحدهما عن أسئلة أكثر دقة: من هم القراء الجدد؟ ماذا يقرأون؟ وما إذا كانت علاقتهم بالكتاب تستمر بعد انتهاء المعرض؟ أبوظبي.. القراءة تتجاوز حدود المعرض وفي أبوظبي اتخذ النقاش حول مستقبل القراءة منحى أكثر اتساعا، إذ جمعت الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب 1200 عارض من 95 دولة، وقدمت نحو 1500 فعالية ثقافية ومعرفية وفنية وتعليمية. وبالتوازي مع المعرض، استضافت الإمارة "خلوة القراءة 2026" لبحث واقع القراءة وتحدياتها وسبل تطوير مبادرات وطنية مستدامة. وقال علي بن تميم رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، إن المعرض يمثل "البيئة المثلى لطرح مستقبل القراءة بوصفها مشروعا وطنيا متكاملا"، بما يعكس اتجاهًا نحو التعامل مع القراءة باعتبارها منظومة تتجاوز حدود الحدث السنوي. وتكشف تجارب القاهرة والشارقة والرياض وأبوظبي عن فارق جوهري بين نجاح معرض الكتاب ونجاح صناعة القراءة، فالملايين التي تعبر بوابات هذه المعارض، وآلاف الناشرين والفعاليات التي تحتشد فيها، تثبت قدرتها على صناعة حدث ثقافي واقتصادي كبير، لكنها لا تكفي وحدها لضمان قارئ دائم أو سوق نشر مستدام. ومن معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب، مرورا بمعرض الرياض الدولي للكتاب ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، تبدو الفرصة قائمة للانتقال من مواعيد سنوية تستقطب الجمهور إلى منصات تعمل طوال العام، تربط القارئ بالكتاب، وتدعم النشر والتوزيع وحقوق الملكية الفكرية، وتستفيد من البيانات والتقنيات الجديدة. المصدر: RT