IMG-LOGO
عاجل الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات

المنفي من قلب الأمم المتحدة: ليبيا ترفض وصاية الخارج

المنفي من قلب الأمم المتحدة: ليبيا ترفض وصاية الخارج

أعلنت ليبيا ترشحها لعضوية مجلس الأمن للفترة 2028-2029 عن المقعد الأفريقي، خلال كلمة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال المنفي إن الترشح يأتي تحت شعار "تكريس العدالة من أجل الأمن والسلام – ليبيا جسر بين الأمم"، داعيا الدول الأعضاء إلى دعم بلاده في الانتخابات المقبلة، ومؤكداً تطلع ليبيا إلى الإسهام في تعزيز الأمن والسلام والتعاون الدولي من خلال عضوية المجلس.


وقال المنفي إن الترشح لا يمثل مجرد طموح دبلوماسي، وإنما يعكس إرادة وطنية لاستعادة ليبيا دورها الطبيعي في محيطها الدولي، والمساهمة في صون السلم والأمن الدوليين، مؤكداً أن السلام لا يقوم على غياب النزاعات فقط، بل على إرساء العدالة ومعالجة أسباب الظلم والاضطراب.

وفي مستهل كلمته، تحدث المنفي عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، معتبراً أن العالم يواجه تغيراً في مفهوم القوة وأخلاقيات استخدامها، وفي طبيعة التحالفات وقدرة النظام الدولي على الالتزام بالمبادئ التي تأسس عليها. وطرح تساؤلات بشأن كيفية بناء نظام دولي تكون فيه سيادة القانون حقاً متساوياً لا امتيازاً للأقوى، وكيفية تحويل التعاون الدولي إلى شراكة حقيقية بعيداً عن تقاسم مناطق النفوذ.

وتطرق رئيس المجلس الرئاسي إلى الأوضاع في فلسطين، معرباً عن أسفه لعدم تمكن الوفد الفلسطيني من المشاركة في أعمال الدورة، ومؤكداً دعم حق الشعب الفلسطيني في الحياة وتقرير المصير وإقامة دولته وفق القانون الدولي. وحذر من أن استمرار تقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية لا يبدد فرص السلام فحسب، بل يوسع دائرة النزاع ويدفع نحو انتشار التطرف.

كما أكد المنفي تضامن ليبيا الكامل مع المملكة العربية السعودية في حماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها ومقدساتها، رافضاً أي استهداف يهددها أو يعرض المقدسات الإسلامية للخطر، ومعتبراً أن أمن المملكة والخليج يمثل ركناً من أركان أمن المنطقة واستقرارها.

وفي الشأن السوداني، قال المنفي إن استمرار النزاع المسلح يجعل الشعب السوداني ضحية لحرب مدمرة تتداخل فيها المصالح والتدخلات، محذراً من امتداد تداعياتها إلى أمن الإقليم واستقراره ووحدة دوله.

كما تناول الأوضاع في منطقة الساحل الأفريقي، مشيراً إلى تداخل عوامل الإرهاب والجريمة المنظمة والفقر وتغير المناخ والنزوح والهجرة واتساع دائرة النزاعات المسلحة، ومؤكداً أن أفريقيا لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مجرد مصدر للموارد أو ساحة للتنافس الدولي.

وشدد المنفي على أن ليبيا «ليست على حدود أفريقيا، ليبيا من أفريقيا»، مستشهداً بمدينة سرت التي قال إن منها انطلقت إرادة أفريقية أسهمت في تأسيس الاتحاد الأفريقي، ومؤكداً أن ليبيا كانت شريكاً في صياغة المشروع الأفريقي وليست مجرد جسر بين أفريقيا والمتوسط.

وأكد أن أمن الساحل جزء من أمن ليبيا واستقرارها، وأن التنمية في أفريقيا تمثل استثماراً في الأمن المشترك للقارة والجوار الأوروبي، داعياً إلى التعامل مع المتوسط باعتباره فضاءً مشتركاً للتنمية والتجارة وانتقال الطاقة والاستثمار والأمن، وليس مجرد منطقة عازلة بين أفريقيا وأوروبا.

وفي حديثه عن موقع ليبيا، وصف المنفي البلاد بأنها عربية في هويتها ولغتها، وأفريقية في جغرافيتها ومصيرها وانتمائها، ومتوسطية في جانب من ثقافتها ومصالحها وشراكاتها، وإسلامية في قيمها الحضارية، معتبراً أن تعدد هذه الدوائر يمثل مصدر قوة ومسؤولية وفرصة.

وقال إن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أظهرت أن ضعف الدولة يفتح المجال أمام المصالح المتنافسة والجماعات المسلحة وشبكات الجريمة والتهريب والمال غير المشروع، وقد يحول مؤسسات الدولة نفسها إلى ساحات للصراع على النفوذ، بما يؤدي في النهاية إلى تراجع استقلال القرار الوطني.

وعرّف المنفي السيادة بأنها ليست مجرد علم وحدود، وإنما أن يكون القرار الوطني حراً، وأن تقوم علاقات ليبيا مع مؤسسات الأمم المتحدة على الشفافية والجدية والحياد بعيداً عن الانتقائية وازدواجية المعايير، إلى جانب صون حقوق الليبيين وكرامتهم وضمان خضوع الجميع للقانون والمساءلة.

وأكد أن السيادة تعني أيضاً أن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص والجماعات، وأن يخضع السلاح للقانون، وأن تبقى ثروات البلاد ملكاً للشعب، محذراً من تحول المال الفاسد والنفوذ إلى دائرة متبادلة توفر الحصانة وتضعف مؤسسات الدولة.

ودعا رئيس المجلس الرئاسي مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته ومتابعة التقارير الأممية، بما فيها تقارير فريق الخبراء المتعلقة بالانتهاكات وحالات عدم الامتثال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ قرارات المجلس وتدابير الجزاءات ذات الصلة دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

وقال إن الانتهاكات الموثقة لا ينبغي أن تتحول إلى وقائع تتكرر في التقارير دون مساءلة، مشدداً على ضرورة الانتقال من رصد الانتهاك إلى محاسبة مرتكبيه، ومن إصدار القرارات إلى تنفيذها.

وفي ما يتعلق بعلاقات ليبيا الخارجية، قال المنفي إن بلاده لا تريد استبدال نفوذ بنفوذ أو محور بمحور أو تبعية بتبعية، مؤكداً رغبتها في إقامة علاقات قوية مع محيطها العربي، واستعادة دورها داخل أفريقيا، وبناء شراكات استراتيجية متوازنة مع محيطها المتوسطي والإقليمي والدولي، على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل واحترام السيادة الوطنية.

وأضاف أن الحليف الحقيقي لليبيا هو من يريد دولة ليبية قوية، وأن الشريك الحقيقي هو من تصبح مصالحه أكبر كلما أصبحت ليبيا أكثر وحدة واستقراراً وازدهاراً، داعياً الدول إلى التنافس داخل ليبيا في مجالات الاستثمار والإعمار والطاقة والتقنية والتنمية، لا على النفوذ داخل مؤسساتها.

وفي الملف السياسي الداخلي، قال المنفي إن ليبيا، بعد سنوات من الانقسام السياسي والتجاذبات، لم تعد بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، وإنما إلى إرادة تنهيها، مؤكداً أن الهدف هو إقامة دولة موحدة ذات سيادة تستمد مؤسساتها شرعيتها من إرادة الشعب.

وشدد على أن الطريق إلى ذلك يمر عبر العودة إلى الشعب من خلال الآليات الدستورية والقانونية والاستفتاءات والانتخابات الحرة والنزيهة، معتبراً أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن التسويات المؤقتة والترتيبات الهشة لا يمكن أن توفر بديلاً دائماً عن الإرادة الشعبية.

ورحب المنفي بجهود الدول الساعية إلى إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، وبالدور الذي تضطلع به بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لكنه أكد أن أي مسار سياسي قابل للاستمرار يجب أن يقوم على أربعة مبادئ، هي احترام الشرعية والمرجعيات الدستورية والقانونية، وضمان الملكية الوطنية للعملية السياسية، وتكافؤ الفرص بين الأطراف، والالتزام بالشفافية في التفاهمات والاتفاقات ومراحل التنفيذ وآليات الرقابة والمساءلة.

وأكد أن الوساطة الدولية يجب ألا تتحول إلى وصاية أو إلى صناعة حلول من الخارج، وأن إشراك الأطراف الليبية المختلفة دون إقصاء أو فرض يمثل ضمانة لاستدامة أي حل.

وفي خطوة أعلنها من على منبر الأمم المتحدة، قال المنفي إن ليبيا ستبدأ العمل على لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة، تستند إلى المبادرات الوطنية والمحلية، وتهدف إلى استباق النزاعات واحتواء التصعيد والحيلولة دون تجدده، ودعم المصالحة وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية والانتخابية.

ودعا جميع الأطراف الليبية إلى الانخراط في هذا الإطار، كما دعا الأمم المتحدة وشركاء ليبيا إلى مساندته وتيسيره، مع احترام كامل للسيادة والملكية الوطنية.

وفي ختام كلمته، قال المنفي إن ليبيا التي تستعيد سيادتها ووحدة مؤسساتها لن تكون مكسباً لليبيين وحدهم، بل ستكون عاملاً للاستقرار في العالم العربي، وعمقاً للأمن والتنمية في أفريقيا، وشريكاً مسؤولاً في المتوسط وجسراً للتعاون بين الشمال والجنوب.

وأكد أن ليبيا لا تريد أن تكون ساحة تتوازن فوق أرضها مصالح الآخرين، وإنما دولة تصنع توازنها بإرادتها، ولا تريد أن يتنافس الآخرون على النفوذ فيها، بل أن يتنافسوا على الشراكة معها، مختتماً بالتأكيد على هدف بناء دولة «سيدة في قرارها، موحدة في مؤسساتها، عادلة بين أبنائها، وشريكاً للسلام والاستقرار في محيطها والعالم»

شارك المنشور:

الأكثر قراءة

أهم الأخبار